فخر الدين الرازي
224
القضاء والقدر
منه ، بكل لطف وينهاه عن فعل ما يكرهه ، ويعنفه على فعله ، ويتعجب من فعله ، ويستظرفه ، ويعجب العقلاء في فعله . ويعلل كل ذلك : بأن فعله . وأيضا : فنجد من أنفسنا : الفرق الضروري بين أمره بالقيام والقعود ، وبين أمره بإيجاد السماء والكواكب . ولولا أن العلم الضروري حاصل بكوننا موجدين لأفعالنا وإلا لما صح ذلك . قالوا : فهذه الوجوه الثلاثة : منبهة على أن العلم الضروري حاصل بكون العبد موجدا . وهذا غاية تقرير مذهب « أبي الحسين البصري » في هذه المسألة . واعلم : أن دعوى الضرورة في كون العبد موجدا لأفعاله : باطل ويدل عليه وجوه : الأول : إن الناس كانوا قبل « أبي الحسين » فريقان : منهم من يزعم : أن فعل العبد مخلوق للّه تعالى ، ومنهم من يزعم : أنه يحصل بإيجاد العبد وبتكوينه . والعلم بذلك علم استدلالي . ولذلك فإن جميع مشايخ المعتزلة إنما كانوا يثبتون هذا المطلوب بناء على الدلائل والبينات . ولو كان العلم بهذا المطلوب ضروريا ، لكان جميع الناس الذين كانوا قبل « أبي الحسين » منكرين للبديهيات . أما مخالفوا المعتزلة فلا شك أنه يلزم على قول « أبي الحسين » كونهم منكرين للبديهيات . وأما جميع مشايخ المعتزلة فكذلك . لأنهم لما كانوا مطبقين على أنه لا سبيل إلى إثبات هذا المطلوب إلا بالدلائل ، كانوا متفقين على أن العلم بهذا المطلوب ليس بضروري . فثبت : أن العلم بهذا المطلوب لو كان ضروريا ، لزم أن يقال : إن جميع الخلق الذين كانوا قبل « أبي الحسين » كانوا مطبقين متفقين على إمكان البديهيات والضروريات . ولما كان ذلك باطلا ، علمنا فساد قول « أبي الحسين » . الثاني : إنا إذا رجعنا إلى أنفسنا ، لم نعلم إلا أن هذه الأفعال حاصلة على وفق تصورنا ودواعينا . فأما أن المؤثر في دخولها في الوجود هو قدرتنا فقط ، أو مجموع قدرتنا مع دواعينا . أو المؤثر في حصولها شيء آخر يحصلها مقارنا لذلك المقصود فذلك البتة غير معلوم . إذ ليس من المشتبه أن يقال : إنه تعالى أجرى عادته بأن الإنسان الذي تكون أعضاؤه سليمة ، ومزاج بدنه يكون خاليا من الأسقام والأمراض ، إذا خلق فيه إرادة حصول شيء ، فإنه يخلق ذلك المراد على وفق تلك الإرادة . والحاصل : أن مقارنة الفعل مع حصول القدرة والإرادة معلومة . فأما كون الفعل به ، فذاك البتة غير معلوم . ومن قال خلاف ذلك ، كان مكابرا معاندا . الثالث : إنا إذا رجعنا إلى أنفسنا ، علمنا : أن إرادتنا للشيء ، لا تتوقف على إرادتنا لتلك الإرادة . وإلّا لزم التسلسل . بل نعلم بالضرورة : أنا إن شئنا أم أبينا ، فإنا نريد ذلك الفعل المخصوص ، ونعلم أنه متى حصلت تلك الإرادة بنا . فالإنسان مضطر في صورة مختار . والعجب من « أبي الحسين » أنه خالف أصحابه في قولهم : « الفعل لا يتوقف على الداعي » وزعم : أن الفعل يتوقف على الداعي ، وزعم أن حصول الفعل عقيب الداعي واجب .